الرئيسية / منوعات / تأملات قلبية …

تأملات قلبية …

بقلم: مرام سعيد أبو عشيبة
ماجستير في تفسير القرآن الكريم

تأملات قلبية لقوله تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ…)…

إن العيش مع آية من آيات كتاب الله يضفي على النفس راحة وطمأنينة وارتياحاً فمن ابتعد عن كتاب الله يصبح كتيهور بحر موجه مرتفع ومضطرب قلبه في قساوة، ولكن اللبيب الفطن نافذ البصيرة الحاذق الألمُعي القريب من كتاب الله لا يتيه في بحر الحياة، فآيات الله لها سطوة وفاعلية وسلطة ونفوذ على النفس تمنحها الاستقرار الجسدي والنفسي، فعندما يقرأ القارئ قوله تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)(البقرة:آية74)،يرى كيف أن الجوارح ترتجف والجلد يقشعر والكيان يهتز والدموع تنهمر، شعور لا تستطيع الأقلام ولا الصحف التعبير عنه، فهذا هو روعة التأثير القرآني وبيانه وها هو جمال الصوت في ألفاظه ونظمه وإيقاعه الموسيقي، فالآية تمثل لوحة فنية تنساب ألوانها انسياباً فتتلقاها القلوب والعقول خاشعة مطمئنة متأثرة أيما تأثير، فمن اللطائف المذكورة في الآية ذكر لفظة القلوب دون الصدور، فالفرق جلي بينهما إن القلب كما يقول ابن فارس: (قلب) القاف واللام والباء أصلان صحيحان: أحدهما يدل على خالص شيء وشريفه، والآخر على رد شيء من جهة إلى جهة، فالأول القلب: قلب الإنسان وغيره، سمي لأنه أخلص شيء فيه وأرفعه، وخالص كل شيء وأشرفه قلبه.

ويقول أبو عبد الله الترمذي في كتابه الفرق بين القلب والصدر:فأما الصدر فهو موضع دخول الآفات والوساوس والشهوات وهو موضع ولاية النفس الأمارة بالسوء وسمي صدراً؛ لأنه صدر القلب كصدر النهار الذي هو أوله ينشرح مرة ويضيق أخرى والقلب هو داخل الصدر وهو معدن نور الإيمان والخشوع والتقوى واليقين والرجاء فإذا انتفت هذه الأمور أصبح القلب في قساوة …والقلب يهيج منه اليقين والعلم والنية ،فالقلب هو الأصل والصدر هو الفرع وسمي القلب قلباً لسرعة تقلبه وجاء في صحيح الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك».

ومن هنا يتبين لما اختيرت لفظة القلوب دون الصدور؛ لأنها تتناسب وسياق الآيات التي تتحدث عن بني إسرائيل وأفعالهم الشنيعة المستهجنة، فقد انطفئ نور الإيمان واليقين من قلوبهم فتمسكوا بالدنيا وشهواتها فلا خوف ولا خشية من الله فقست قلوبهم وغلظت وجفت كجفاف الأرض بلا ماء.

يقول محمد رشيد رضا في تفسيره المنار: “أن قلوبكم تشبه الحجارة في القسوة، بل قد تزيد في القساوة عنها، فإن الحجارة الصم تتأثر في باطنها بالماء اللطيف النافع، بعضها بالقوي منه وبعضها بالضعيف، ولكن قلوبكم لا تتأثر بالحكم والمواعظ التي من شأنها التأثير في الوجدان والنفوذ إلى الجنان، والحجارة تتأثر بالحوادث الهائلة التي يحدثها الله في الكون كالصواعق والزلازل، ولكن قلوبكم لم تتأثر بتلك الآيات الإلهية التي تشبهها، فلا أفادت فيها المؤثرات الداخلية، ولا المؤثرات الخارجية كما أفادت في الأحجار، فبذلك كانت قلوبكم أشد قسوة ثم هددهم بقوله: (وما الله بغافل عما تعملون) أي فهو سيربيكم بضروب النقم، إذا لم تتربوا بصنوف النعم”.

شاهد أيضاً

المؤانئ: نشكر القضاء العادل وسنحافظ على ممتلكات الدولة

أصدرت محكمة الاستئناف حكمها في الاستئنافين رقم 319/2017 و227 /2017 بجلسة 20/1/2019 بإلغاء الحكم الصادر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *