بقلم: هدير يونس…
سافرت حول العالم ورأيت الكثير والكثير من الأشياء التي تخطف القلوب قبل الأنظار، جذبتني طبيعة الخالق الخلابة والمناظر الساحرة أكثر من تلك التي يجتهد البشر في اصطناعه، تجولت في كثير من الشوارع والميادين البارزة وأخذني الفضول لتجربة أنواع مختلفة من الأكلات التي تشتهر بها كل بلد على حده، تعرفت على أناس من كل شكل ولون، ورأيت عادات وتقاليد مختلفة منها الذي يشبهنا والأكثر الذي يختلف عنا، عشت مغامرات وقصص واستمتعت كثيرا بالسفر من قارة إلى اخرى ومن بلد لأخر عبر مخيلتي .. نعم عشت في خيالي ما أتمناه في واقعي الذي تعيقة المسافات والعادات والثقافات العربية.
ربما يبدو الأمر غريبا بعض الشيء إلا أنه حقيقة لا يمكننا تجاهلها خاصة في ظل هيمنة المجتمع الذكوري ورسوخ مفاهيمه التقليدية التي كثيرا ما ترفض وجود فتاة طموحة لها أحلام تسعى إلى تحقيقها، ولكن دائما ما يتطلب الأمر امتلاك شخصية قوية ومجتهدة تستطيع فرض نفسها داخل مجتمع يجعل من الفتاة ضلع قاصر، وينظر إليها بعين الشفقة، ودائما ما يبقي السؤال هل ستظل الفتاة العربية أسيرة أفكار ومعتقدات واهية تمنعها من تحقيق مسعاها ؟ أم من الممكن يفرج عنها المجتمع بضمان حسن المكافحة والمثابرة؟
وكأني سأذهب إلى المجهول دون عودة…
هكذا وصفت هنادي الأحمد قصتها قائلة عندما تم قبولي للتدريس في إحدى الجامعات المشهورة في بريطانيا نزل الخبر كالصاعقة على عائلتي، على الرغم من معرفتهم المسبقة بتقدمي للبعثة ومدى حاجتي العلمية لها إلا أنهم واقعيا لم يكونوا على استعداد لتلك الخطوة او بالأحرى لم يتوقعوا حصولي على تلك المنحة ، فقاموا بمحاولات عدة لإقناعي بالعدول عن فكرة السفر تارة وبإخافتي من الغربة ومشكلاتها تارة أخرى، فضلا عن لجوئهم المستميت إلى إثارة عاطفتي تجاههم وبالأخص تجاه والدتي التي لم تتوقف عن البكاء لحظة وكأنني ساذهب إلى المجهول دون عودة، وبالفعل كنت أضعف وقتها من أن أتمسك بحلمي ومستقبلي.
وأحيانا قد يكون من السهل أن نسلك طريقا مختصرا في حياتنا كما فعلت شجون علي عندما اختارت مجالا دراسيا ذو طابع أدبي منذ البداية، لافتة إلى أنه رغم تفوقها الدراسي في مجالها وكثرة الفرص أمامها للسفر إلى الخارج إلا أنها لم تفكر يوميا فيه، مبررة بذلك أن والدها كان حاد الطباع ولم يكن ليقبل فكرة السفر تلك الأمر الذي جعلها تفقد الأمل حتى قبل أن تحاول.
وتقول ليلى حمدان إنه على الرغم من أن فكرة السفر برمتها لم تكن مرفوضة في عائلتها خاصة وأن شقيقها سبق وأن سافر إلى أوكرانيا لاستكمال دراسته ، إلا أن الأمر أصبح اشبه بالكابوس في منزلهم عندما تجرأت ليلى وطلبت من والديها الموافقة على سفرها إلى ماليزيا مع مجموعة من أصدقائها الفتيات بدافع السياحة، واردفت ليلى قائلة إن والديها لم يوافقا في بادئ الأمر ولكن بعد محاولات كثيرة وتدخل الأخرين من ذويها لإقناعهم استطاعت ليلى في النهاية تحقيق حلمها والسفر إلى كوالالمبور مع كتيب الإرشادات العائلي الخاص من قبل والديها.
ونجحت حسناء جابر هي الأخرى في جعل طموحها وحلمها سببا في كسر القواعد المجتمعية والأفكار المتعنتة حول سفر الفتاة إلى الخارج، فتمكنت من السفر إلى أميركا بهدف تكملة دراساتها العليا، وقالت حسناء حرص عائلتي على مستقبلي وتربيتهم لي منذ الصغر على السعي نحو تحقيق رغباتي وطموحاتي منعهم من الانقياد وراء عواطفهم ومشاعرهم التي تمثلت في الخوف والقلق على إبنتهم الوحيدة في بلد لا يعلمون عنه شيئأ سوى ما يرونه وراء شاشات التلفاز أو الكمبيوتر.
لا شك أن الغربة في حد ذاتها ليست بالأمر الهين على المسافر بغض النظر عن كونه شابا أم فتاة ولكن المشكلة تكمن في بقاء مجتمعنا العربي أسيرا لنظرة الآخرين إليه والخوف من المحاذاة عن العادات والقيم التي تربينا عليها، خاصة وأن البعض لا يزال ينكر حقيقة أن المرأة قادرة على تدبير أمورها والاعتماد على نفسها بشكل لايقل عن قدرة الرجل. وتبقى علامات الاستفهام بين.. هل من العدل أن يظل نصف المجتمع ممنوعا من السفر؟ .. إلى متى ستظل حرية المرأة مكبلة بين قوانين وعادات وضعها البشر لخلق الازدواجية في المجتمع العربي؟.. هل من الممكن أن يأتي الوقت التي تفتح فيه الاغلال التي قيدت بها المرأة على مر السنين دون سبب يذكر؟
جريدة آي وش جريدة إلكترونية منوعة
والله كلامك أكثر من رائع بس مافي أحد يطبق
المقال أكثر من الرائع طريقة سرد الموضوع عن طريق القصة الخيالية في البداية جدا جميلة
صح لسانك (L)
مقال يستحق القراءة احيكي على اختيارك لمواضيعك وطريقة كتابتك لها